من نفائس الارشيف الوطني التونسي

من النصوص المؤسسة للحداثة في تونس

صدرت خلال الثلاثين سنة الممتدّة بين سنتي 1846 و1879 مجموعة من النصوص القانونيّة التي أسّست للحداثة في بلادنا ومسّت جوانب مختلفة من حياة الدولة والمجتمع فيها ويشهد تنوّع المجالات التي شملتها هذه النصوص، على أهميّة الزخم الذي ميّز هذه الحركة-التي كان للظرفية المتوسطية دور حاسم في نشأتها وتطورها-،منذ بدايتها خلال عهد باي (1837-1855)فاخترنا أن نقدم النصوص التالية وعددها تسعة، لأنّها تمثل أهمّ القوانين التي صدرت بين 1846 و1879 من حيث عمق تأثيراتها على الهياكل السياسيّة والاجتماعية للبلاد، ومساهمتها بشكل حاسم في التّأسيس للحداثة في تونس

 

: أمر أحمد باي بالغاء العبودية (26 جانفي 1846) 

تأسيس لقيمة الإنسان

يعتبر هذا الأمر إجراء رياديا بكل المقاييس حيث فتح بلادنا على منظومة القيم الكونيّة مبكرا وأسّس لريادتها مقارنة بمحيطها في هذا المجال، وبصفة عامة في كل ما يتعلّق بتبنّي الحداثة وفي الحقيقة، فإن صدور هذا الأمر جاء تتويجا لمسار دام ستّة سنوات (1841- 1846)، تدرّج فيه الباي نحو الإلغاء التّام للعبوديّة في الإيالة، والذي لن يتمّ إلا يوم 26 جانفي 1846لقد نجح أحمد باي بفضل هذا الإجراء، في الاستجابة لروح العصر وافتتح بذلك مسارا- لا رجعة فيه- من مشاركة التونسيين في النموذج الحضاري الصاعد منذ تلك الفترة وسوف تصبح هذه المشاركة تدريجيّا، واحدة من أهمّ سمات التونسي.

 

قانون عهد الأمان (9 سبتمبر 1857):

نواة التشريع الدستوري التّونسي الحديث

تضمن عهد الأمان جملة من المبادئ الأساسية العامة التي وردت في إحدى عشر فصلا ومقدّمة يقر القانون الأمان لكلّ سكان الإيالة، والمساواة بينهم ويمنح الحريات الاقتصادية للأقليّات وللأجانب منهم وقد كان من أهمّ استتباعات هذا القانون، حدوث حراك تشريعي بهدف تنزيل مبادئه على أرض الواقع فمثّل بذلك فاتحة عهد جديد من التشريع الدستوري، الذي سيتدعّم لاحقا مع صدور دستور 1861.

أمر إحداث بلديّة الحاضرة (29 أوت 1958):

تركيز أوّل مؤسّسة حديثة لتنظيم الفضاء الحضري في تونس

تضمن الأمر أربعة وعشرون فصلا حدّدت هياكل المؤسسة البلديّة، وطريقة عملها وكيفيّة إنتخاب أعضاء مجلسها وصلاحياتهم كما نصّ أيضا، على مبدئي صيانة الملك العمومي والإنتزاع للمصلحة العامة مع التعويض للمتضررين وهي سابقة قانونيّة حيث مثّل هذا الأمر أوّل نصّ تشريعي يكرّس مثل هذه المبادئ لقد أسّس هذا القانون لأول تجربة بلديّة في بلادنا، سوف يكون لها الفضل في زرع العمل البلدي في بيئة التونسيين وفي مخيالهم.

أمر إحداث الوزارة الكبرى (27 فيفري 1860):

نشأة الإدارة العموميّة بالمعنى الحديث في تونس

جاء هذا الأمر، في شكل دليل إجراءات ينظم العمل داخل الوزارة الكبرى تنظيما دقيقا فحدّد نوعيّة الخدمات وطريقة إسدائها،ومسؤوليّة الموظفين والمسؤولين في أدقّ تفاصيلها مؤسسا بذلك لأهم القيم والمبادئ التي سوف تسيّر الوظيفة العموميّة التّونسيّة لاحقا، مثل المساواة والمجانيّة ومبدأ تواصل الخدمة العموميّة والشفافيّة وغيرها.

قانون الجنايات والأحكام العرفيّة (19 جويلية 1860):

محطة مفصلية في مسار تحديث القضاء التّونسي

صيغ هذا القانون حتى يكون مدوّنة قانونيّة تعتمدها المجالس في فصل القضايا، لغياب نصّ مرجعي موحّد في هذا المجال ورد في 644 فصلا تحدّد تركيبة المحاكم وإجراءات التقاضي وحقوق المتقاضين وواجباتهم والعقوبات بمختلف أصنافها،بشكل مختصر وواضح وقد استوحيت أغلب هذه الفصول من القوانين الوضعية الأوروبيّة، وأساسا الفرنسيّة وقد ساهم ذلك بشكل حاسم في زرع بذور الحداثة في المنظومة القضائيّة المحليّة.

دستور 1861:

أول دستور عصري في العالم العربـي الإسلامي

أعلن عن الدستور أو”قانون الدولة” يوم 29 جانفي 1861 وقد تضمّن 114 فصلا، نظّمت السلط العموميّة والحقوق والحريّات العامّة والفرديّة وأحدثت مؤسّسات جديدة ومكّنت سكّان الإيالة من رعيّة وأقلّيات وأجانب من ضمانات عديدة وقد استمدت هذه الضمانات أساسا من الحدّ من السلطة المطلقة للباي ورغم قصر المدّة التي طبّق فيها هذا النصّ (4 سنوات)، فإنّ هذه التجربة سوف تساهم بشكل كبير في تجذير الفكرة الدستوريّة في مخيال التونسيّين مّما جعل الدستور يتحول بعد حوالي نصف قرن من توقيف العمل به، إلى أهم رمز من رموز الحركة الوطنيّة الناشئة آنذاك.

أمر إحداث المدرسة الصادقيّة (10 جوان 1874):

تأسيس للمدرسة العموميّة التونسيّة العصريّة

جاء الأمر في 82 فصلا، حدّدت التوجيهات الكبرى للتعليم في كلّ قسم من أقسام المدرسة كما ضبط قواعد السلوك الواجب على كلّ من المعلّمين والمتعلّمين إتّباعها داخلها وعدد مجمل مسؤولياتهم والعقوبات التي يمكن أن تفرض عليهم وعموما فإنّ المزايا الأساسية لهذا القانون، يمكن أن نختزلها في كونه كرّس أهمّ المبادئ التي ستقوم عليها “المدرسة الجديدة”، وهي المجانية والتعليم المزدوج اللغة والذي سيصبح-بداية من تلك الفترة – من أهم ميزات النظام التعليمي التونسي.

أمر إحداث المدرسة الصادقيّة (10 جوان 1874):

تأسيس للمدرسة العموميّة التونسيّة العصريّة

جاء الأمر في 82 فصلا، حدّدت التوجيهات الكبرى للتعليم في كلّ قسم من أقسام المدرسة كما ضبط قواعد السلوك الواجب على كلّ من المعلّمين والمتعلّمين إتّباعها داخلها وعدد مجمل مسؤولياتهم والعقوبات التي يمكن أن تفرض عليهم وعموما فإنّ المزايا الأساسية لهذا القانون، يمكن أن نختزلها في كونه كرّس أهمّ المبادئ التي ستقوم عليها “المدرسة الجديدة”، وهي المجانية والتعليم المزدوج اللغة والذي سيصبح-بداية من تلك الفترة – من أهم ميزات النظام التعليمي التونسي.

قانون السجون والمسجونين بالحاضرة (5 ماي 1874):

إعلان عن نشأة السجن الجديدبالبلاد التونسيّة

أحدث القانون الذي ورد في 24 فصلا سجنين جديدين، أحدهما خاصّ بالرجال والثّاني بالنساء ونصّ على تقسيم الفضاء السجني، إلى ثلاثة أقسام حسب طبيعة الجريمة والانتماء الديني للمسجونين كما متّعهم بجملة من الامتيازات والحقوق، مثل الأكل المجاني واللباس والغطاء والفراش والحق في التداوي، وحتى الحق في العمل داخل السجن كما رتّب إدارة السجن

وعقلنها وبذلك أسّس لمنظومة سجنيّة جديدة في بلادنا،تستجيب في جوهرها لقيم الحداثة

أمر إحداث المستشفى الصادقي (19 جانفي 1879):

نشأة أوّل مؤسسة خدمات صحية عموميّة حديثة في تونس

تضمن القانون في فصوله الواحدة والأربعين، تعريفا بمكوّنات المستشفى وكيفيّة تنظيمها وتحدّيدا للإطار المشرف عليها وطبيعة الخدمات المطالبة بإسدائها وقد أوكل للمستشفى مهمّة التلقيح المجاني للأطفال ضدّ الجدري، مكرّسا بذلك ريادة تونس حيث سيكون لها السبق في مجال إقرار إجبارية التلقيح مقارنة بمحيطها، وحتى مقارنة بعديد الدول الأوروبيّة بما فيها فرنسا، والتي لن تقرّ فيها هذه الإجبارية إلاّ لاحقا.